
الكاميرا الخفية
قصة: محمد سعد شاهين
الكاميرا الخفية
اقترب ذلك الشاب الوسيم من الجزار الضخم الذى كان يجلس وراء مكتب خشبي قديم ، ويرتدى جلباب أبيض وكالعادة ملطخ بالدماء..
كان جالسا يوجه كلامه لصبيه الذى كان يحمل قطعة كبيرة من اللحم ويغرس فيها خطافا حادا لعرضها أمام المارة ليسيل لعابهم بمجرد النظر لها..
ابتسم الشاب فى هدوء وهو يقول:
_لو سمحت يا حاج
نظر الجزار له وتأمله قليلا ..
كان يقيم الشاب حسب ملابسه، وأسلوبه ، وطريقة كلامه ..
ومن خلال هيئة الشاب الخارجي التى توحى بالأناقة ، ابتسم الجزار وقد أيقن فى قرارة نفسه أنه غنيمة لابد من الاستحواذ عليها فهتف مهللا:
_اتفضل يا أستاذ ..أهلا وسهلا بحضرتك، هل تريد لحما أم قطعة من الكبد الطازج ؟
قاطعه الشاب فى هدوء:
_شكرا لحضرتك ..أنا مخرج تليفزيوني وجئت كي أتعاون معك .
تراجع الجزار فى مقعده وهو يقول في دهشة:
_أهلا وسهلا، وماذا يريد مني التلفاز؟
جلس الشاب على مقعد خشبي ،وهو يتأمل المحل ويقول :
-أريد التصوير هنا
قال الجزار فى اندهاش:
_ تصوير !!
هتف الشاب في حماس:
_ بلى. سيتم تصوير برنامج تليفزيوني في هذا المكان.
صمت لحظة ثم أردف:
_هدف برنامجنا هو بث روح الأمل في المجتمع مرة أخرى، محاولة لإعادة الإنسانية بين الناس.
الجزار فى تعجب :
_ وأنا من سيفعل ذلك؟!
قهقه الشاب وقال :
_ سيتم تصوير لقطات إنسانية في المكان تجعل الدموع تسيل من أعين المشاهدين.
صمت الجزار قليلا ثم قال في ضجر:
_ما المطلوب منى بالضبط ؟
الشاب :
_لا شىء، سنصورك من خارج المكان ونحن نجلس في سيارة تابعة لنا ستكون بجانب المحل، سيأتي لك طفلا يبكي من ألم الجوع ويخبرك بأنه يريد طعاما يتناوله مع والدته المسكينة، وأنت ستعطي له قطعة من اللحم الأحمر الطازج لتنال الثواب ، ثم تحتضنه في حنان وتخبره بأن يأتى كلما احتاج للطعام.
صمت الشاب قليلا ثم أكمل :
_ هذا الأمر يعيد للمجتمع روح التعاون والاحساس بالغير، كان من الممكن أن نفعل هذا الأمر وأنت لا تعلم، لكننا خشينا أن تطرده أمام مرأى الناس وتنال سمعة سيئة تصيب بها المكان أيضا، سيتم التصوير وتذاع الحلقة في أول أيام العيد .
صمت الجزار وفكرا قليلا ..
ولم لا..
سوف يكون إعلانا للمحل على شاشات التلفاز، وسيأتي الناس لشراء اللحم منه ..
من الجزار الذى يقدم الخير بلا ثمن..
سينال المكان سمعة طيبة تجعل ربحه أكثر وأسرع..
هتف الجزار في حماس :
_ أوافق.
وبالفعل ، تم التصوير ..
أتى الطفل ، وطلب المساعدة ، وفى تأثر شديد ناوله الجزار بنفسه قطعة من اللحم الطازج وهو يقبله على رأسه ، ويحتضنه في تأثر ودموعه تنهمر على وجنتيه.
وغادر الطفل المكان، وساد الصمت ..
وقال صبي الجزار فى تساؤل :
_هل تم تصويرنا يا معلم ؟!ّ أنا لا أرى كاميرات ..
صاح الجزار في صبيه :
_أنت غبي ..كاميرات ! هذه مثل الكاميرا الخفية أيها الغبي ، يتم تصويرنا فى الخفاء .
وعلى بعد عدة كيلو مترات من المكان كان الطفل يقف مع الشاب الوسيم ويناوله قطعة اللحم الطازج وهو يقول في سعادة بالغة:
_بتلك القطعة أكملنا تقريبا عشرة أرطال من اللحم يا (أسطى) .
صاح الشاب فى الطفل :
_ لماذا تناديني بالأسطى؟! أنا أستاذ ، هل سمعت ..أستاذ .
ثم ابتسم وتألقت عيناه وهو يردف:
_هيا بنا لتناول الطعام، وغدا نكمل لعبتنا، العيد اقترب ونريد أن نملأ ثلاجتنا الجديدة، لا نريد سماع الشكوى من والدتك العجوز.
واحتضن قطعة اللحم فى حنان جارف ..
(تمت)





